خبيب المرأة على زوجها لإفسادها عليه هي إحدى الآفات التي باتت تُهدد الأسر لِما لها من أثار سلبية ، فنراها في الزوجة التي تتعرض لإغراء رجل لمُخالعة زوجها على وعد بالزواج بها ،
و نراها في الأهل الذين يخببون المرأة على زوجها ويسعون إلى إفساد حياتها الزوجية لأسباب قد تختلف من حالة إلى أخرى ، وفي العشيق الذي يتفق مع عشيقته على الخلاص من زوجها حتى لا يقف حائلاً بينهما كل هذه الصور موجودة وبكثرة في أيامنا ، ومن التشريعات ما نظمت بعض هذه الصور ، ومنها ما تجاهلت الأمر تماماً .
وإنني أرى أن تخبيب المرأة على زوجها هي صورة جديرة بالبحث بغية الوصول لحلول لهذه المُشكلة التي بدأت تتفاقم بما يُهدد مجتمعاتنا الإسلامية .
التخبيب في اللغة .
التخبيب : مصدر خبب ، ومعناه في اللغة : إفساد الرجل عبدا أو أمة لغيره أو صديقا على صديقه ، يقال : خببها فأفسدها . وخبب فلان غلامي : أي خدعه . و أما الخب : فمعناه الفساد والخبث والغش ، وهو ضد الغر ، إذ الغر : هو الذي لا يفطن للشر بخلاف الخب.
و جاء في القاموس المُحيط أن التخبيب من خبَّ ، و الخبب: ضرب من العدو ، وجاءوا مخبين تخب بهم الدواب ، والخب: الخداع، رجل خب امرأة خبة. والتخبيب: إذا خبب إنساناً فأفسده. والخب: هيج البحر.
وفي لسان العرب أن الخَبُّ هو الخداع والخبث والغش، ورجل مُخابٌّ: مُدْغِلٌ… ورجل خَبٌّ وخِبٌّ: خَدَّاع جُرْبُزٌ يسعى بين الناس في الإفساد ، خبيث منكر.
التخبيب في الشرع .
لا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي ، فهو جامع لمعاني الإفساد والمخادعة والغش وقد روي عن أَبِى هريرة قال قال رسول اللَّه – صلى الله عليه وسلم( إِنَّ الْمُؤْمِنَ غِرٌّ كَرِيمٌ وَإِنَّ الْفَاجِرَ خَبٌّ لَئِيمٌ).
إفساد المرأة على زوجها كصورة من صور التخبيب .
للتخبيب صور متعددة ، ولكن الصورة التي نعنيها في مقام بحثنا هذا والتي نعتبرها وبحق أشر أنواع التخبيب هي إفساد المرأة على زوجها بغية التفريق بينهما ، فالسعي إلى التفريق بين الزوجين من أعظم المحرمات ، بل هو فعل هاروت وماروت كما جاء في الآية الكريمة : ” بسم الله الرحمن الرحيم :- ( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ) صدق الله العظيم ).( الآية 102 من سورة البقرة )
كما أنه فعل الشيطان المُقرب من إبليس ، فقد روي عن جابر بن عبدالله – رضي الله عنه – قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم : ( إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً يجيء أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا َيَقُولُ َما صَنَعْتَ شَيْئا – قَالَ – ويجيء أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ – قَالَ – فَيُدْنِيهِ مِنْهُ أَوْ قَالَ فَيَلْتَزِمُهُ وَيَقُولُ نِعْمَ أَنْتَ ).
حكم التخبيب .
التخبيب حرام شرعاً ، وذلك استناداً إلى ما ورد على النبي صلوات الله وسلامه عليه فيما روي عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم : ( ليس منا من خبب امرأة على زوجها، أو عبداً على سيده )
وما روي عن أبي بكر فيما رواه عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- ( لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ خِبٌّ وَلاَ بِخَيْلٌ وَلاَ مَنَّانٌ وَلاَ سَيِّئُ الْمَلَكَةِ وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ الْمَمْلُوكُ إِذَا أَطَاعَ اللَّهَ وَأَطَاعَ سَيِّدَهُ ).
وما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم- ( إِنَّ الْمُؤْمِنَ غِرٌّ كَرِيمٌ وَإِنَّ الْفَاجِرَ خَبٌّ لَئِيمٌ ).
حكم زواج المخبب بمن خببها وآراء الفقهاء في المسألة .
انفرد المالكية بذكرهم الحكم في هذه المسألة ، وصورتها : أن يفسد رجل زوجة رجل آخر ، بحيث يؤدي ذلك الإفساد إلى طلاقها منه ، ثم يتزوجها ذلك المفسد .
فقد ذكروا أن النكاح يفسخ قبل الدخول وبعده بلا خلاف عندهم ، وإنما الخلاف عندهم في تأبيد تحريمها على ذلك المفسد أو عدم تأبيده ، فذكروا فيه قولين :
أحدهما وهو المشهور : أنه لا يتأبد ، فإذا عادت لزوجها الأول وطلقها ، أو مات عنها جاز لذلك المفسد نكاحها .
الثاني : أن التحريم يتأبد ، وقد ذكر هذا القول يوسف بن عمر كما جاء في شرح الزرقاني ، وأفتى به غير واحد من المتأخرين في فاس. (حاشية البناني على الزرقاني 3 / 166 ـ 167 ط الفكر ، وحاشية العدوي على الخرشي 3 / 171 ط دار صادر ، والدسوقي 2 / 219 ط دار الفكر )
وقد ورد في الموسوعة الفقهية الكويتية أنه : ( يحرم إفساد المرأة على زوجها ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ” من خبب زوجة امرئ أو مملوكه فليس منا ”
فمن أفسد زوجة امرئ أي : أغراها بطلب الطلاق أو التسبب فيه فقد أتى بابا عظيما من أبواب الكبائر . وقد صرح الفقهاء بالتضييق عليه وزجره ، حتى قال المالكية بتأبيد تحريم المرأة المخببة على من أفسدها على زوجها معاملة له بنقيض قصده ، ولئلا يتخذ الناس ذلك ذريعة إلى إفساد الزوجات )
و نقل المناوي في “فيض القدير” قول ابن القيم ” وهذا من أكبر الكبائر ؛ فإنه إذا كان الشارع نهى أن يخطب على خطبة أخيه، فكيف بمن يفسد امرأته أو أمته أو عبده ويسعى في التفريق بينه وبينها حتى يتصل بها وفي ذلك من الإثم ما لعله لا يقصر عن إثم الفاحشة إن لم يزد عليها ولا يسقط حق الغير بالتوبة من الفاحشة؟ فإن التوبة وإن أسقطت حق الله فحق العبد باق؛ فإن ظلم الزوج بإفساد حليلته والجناية على فراشه أعظم من ظلم أخذ ماله، بل لا يعدل عنده إلا سفك دمه”
وجاء في مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – وسئل عن إمام المسلمين خبَّبَ امرأة على زوجها حتى فارقته، وصار يخلو بها. فهل يصلى خلفه؟ وما حكمه؟ فأجاب:
” في المسند عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال:”ليس منا من خبب امرأة على زوجها أو عبدا على مواليه”. فسعي الرجل في التفريق بين المرأة وزوجها من الذنوب الشديدة، وهو من فعل السحرة، وهو من أعظم فعل الشياطين. لاسيما إذا كان يخببها على زوجها ليتزوجها هو، مع إصراره على الخلوة بها، ولاسيما إذا دلت القرائن على غير ذلك. ومثل هذا لا ينبغي أن يولى إمامة المسلمين إلا أنه يتوب، فإن تاب تاب الله عليه، فإذا أمكن الصلاة خلف عدل مستقيم السيرة فينبغي أن يصلى خلفه، فلا يصلى خلف من ظهر فجوره لغير حاجة والله أعلم ”
وقال – رحمه الله – في “الفتاوى الكبرى” ولو خبب امرأة على زوجها حتى طلقها ثم تزوجها، وجب أن يعاقب هذا عقوبة بليغة، وهذا النكاح باطل في أحد القولين في مذهب مالك وأحمد وغيرهما، ويجب التفريق بين هذا الظالم المعتدي وبين هذه المرأة الظالمة”
وجاء في “الدرر السنية” سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد – رحمهما الله -: عن رجل خبب امرأة على زوجها وتزوجها؟ فأجاب: نكاح الثاني الذي خببها على زوجها باطل، ويجب أن يفارقها، لأنه عاص لله في فعله ذلك ”
حكم زواج المخبب بمن خببها في ظل تشريعات الأحوال الشخصية.
خلت تشرعات الأحوال الشخصية في البلدان الإسلامية من تناول هذه المسألة ، إلا التشريع الكويتي فقد إنفرد بتنظيمها واضعاً إياها ضمن الحرمات المؤقتة إذ نص المادة (23) من قانون الأحوال الشخصية الكويتي رقم 51 لسنة 1984 على أنه : ( لا يجوز أن يتزوج الرجل أمرأة أفسدها على زوجها ، إلا إذا عادت إلى زوجها الأول ثم طلقها ، أو مات عنها ) .
وكان الهدف الذي تغياه المشرع الكويتي من هذه المادة وعلى ما أورده بالمذكرة الإيضاحية تعليقاً على هذه المادة هو حرصه على صيانة الأسرة ، ” فأبطل عمل الذين يسعون إلى التفريق بين المرء وزوجه ، بتحريض الزوجة على مضارة زوجها ، أو إغرائها بمال أو سواه ، حتى يتوصلوا إلى الزواج بمن تقع في حبائلهم ”
وإذا كانت تشريعات الأحوال الشخصية المصرية لم تتضمن نصوصه تنظم المحرمات من النساء على التأبيد والمحرمات على التأقيت ، إذ نجد أن قانون الأحوال الشخصية استهل نصوصه بتنظيم أحكام الطلاق والشقاق بين الزوجين متخطياً بيان أحكام الزواج ، تاركاً تنظيمها لِما هو مُقرر في مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان ، وذلك على خلاف تشريعات الأحوال الشخصية في البلدان الإسلامية التي عنيت بالنص على أحكام الزواج وبيان المحرمات من النساء سواء كانت حرمة مؤبدة أو مؤقتة .
إلا إننا نرى أن المُشرع المصري ولئن كان قد استقى أحكام الأسرة والأحوال الشخصية من الفقه الحنفي ، إلا أنه فيما يتعلق بمسائل الطلاق والتطليق ، فقد استلهم نصوصها من مذهب الإمام مالك ، فالمذهب الحنفي – على سبيل المثال – ليس فيه طلاق يملكه القاضي ، كما أن أحكام الخلع في التشريع المصري مُستقاه من مذهب الإمام مالك – رحمه الله – فأحكام محكمة النقض المصرية مليئة بالعديد من الأحكام- حتى قبل صدور القانون رقم 1 لسنة 2000 – تُشير إلى أن أحكام الخلع وهو صورة من صور الطلاق مُستقاة من مذهب الإمام مالك ومن تلك الأحكام ما قَي به من أنه :
( مجال إعمال المادتين 10 ، 11 من قالانون رقم 25 لسنة 1929 والمتعلقة بالتفريق نظير بدل تلتزم به الزوجة أو مع إسقاط كل أو بعض حقوقها المالية هو دعوى التطليق التي تتخذ فيها إجراءات التحكيم ) الطعن رقم (3) لسمة (53ق ) – أحوال شخصية – جلسة 29/5/1984.
وإذا كُنا خلصنا فيما سبق إلى أن أحكام الخلع يُطبق بشأنها أحكام الفقه المالكي فإنه ينبغي الرجوع إلى ذلك المذهب فيما خلا التشريع من تنظيمه حالة تخبيب المرأة على زوجها لمُخالعته أو تطليقها ثمَّ زواجها بمن خببها .
فجزاء الزوجة التي تُخالع زوجها للزواج بآخر في الآخرة هو أنها تُحرم عليها رائحة الجنة ، وذلك فيما روي عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏أنه قال : (‏ ‏أيما امرأة ‏ ‏اختلعت ‏ ‏من زوجها من غير بأس لم ‏ ‏ترح ‏ ‏رائحة الجنة ) ‏، وقد وصفهم رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه بالمنافقات .
أما جزاؤهما في الدنيا هو تحريمهما على بعضهما البعض – كما قدمنا وفقاً لمذهب الإمام مالك – وإذا كنا نرى أنه من الأهمية أن نُفرد بحثاً مستقلاً عن دعوى التفريق بين من خبب إمرأة على زوجها ليتزوجها ، إلا إننا ننتهي بحرمة ذلك الزواج على أحد قولين أما على سبيل الـتأقيت أو على سبيل التأبيد ، وهي دعوى نرى وإن كانت عسيرة الإثبات إلا أنها جائز إقامتها وفق أحكام التشريع المصري عملاً بالمشهور بمذهب الإمام مالك المصدر التشريعي لأحكام الخلع في مصر .